مؤلف مجهول
211
كتاب في الأخلاق والعرفان
ولمّا سأل جبرئيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السّائل « 1 » . فأبان صلّى اللّه عليه وآله أنّ علم السّاعة مخفيّ على الأملاك المقرّبين والأنبياء المرسلين لما خفي على النّاموس الأكبر والنّبيّ الأفضل . وفيما يؤثر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : لكلّ مؤمن أربعة أعين : عينان في الرّأس ، وعينان في القلب ، فإذا أراد اللّه بعبد خيرا فتح عيني قلبه فأبصر الغيب بالغيب ، فصدّق الغيب بالغيب « 2 » . ومدح اللّه المؤمنين بالغيب ، قال : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ « 3 » . قال ابن جريج في معناها : يعني بمعبود غائب عنهم ، يعني عن إدراك الحواسّ ، وهو أشدّ الغيوب وأعماها لأنّ الأصول إلى معرفته تعالى من طريق الدّلالة لا من طريق التّصوير . فقد قيل : من لم يدرك علم العبوديّة كيف يدرك علم الرّبوبيّة ؟ ومن اشتبه عليه ظواهر الأشياء كيف يعرف بواطنها ؟ ومن عجز عن إدراك الأشباح كيف يقف على حقيقة الأرواح ؟ ومن تحيّر في أحكام الجسمانيّة كيف يهتدي إلى أسباب الرّوحانيّة ؟ ومن أخطأ سبيلا يدرك بالأبصار كيف يصيب طريقا لا يدرك بالأنوار . واعلم أنّ اللّه تعالى شاهد غائب يشهد بالصّنع والآثار ويغيب عن الأوهام والأفكار ، وهو المتجلّي للعقول بالأدلّة الواضحة ، والمحتجب عن الأبصار بالهيبة والقدرة ، لا يصوّره فكر ولا يمثّله ذكر ، لا يقع الأوهام عليه ولا يشير الأفهام إليه ، أسراره أقداره النّافذة في خلقه ، وودائعه أسراره المستودعة عند أنبيائه ولدى أصفيائه المختصّين بحقائق معرفته ، وأدلّاؤه رسله وأنبياؤه وأئمّة دينه ، وأفضل أدلّائه سيّد الأنبياء والرّسل صلوات اللّه عليه وآله ، ثمّ الأوصياء من عترته ، وأفضل أوصيائه
--> ( 1 ) . البحار : 59 / 261 وصحيح البخاري 1 / 18 . ( 2 ) . راجع التّوحيد : 367 والخصال : 240 . ( 3 ) . البقرة : 3 .